الارشيف / اخبار الخليج

مقايضة الندم

Advertisements

لكل حقبة زمنية عوائد وتقاليد عرفية وامكانات تكافلية تسير وفق الثوابت العقدية لأفراد مجتمعها، و يجري تطبيقها من قبل القائمين على إدارة شؤونها الاجتماعية حسب المستوى المعرفي و القدرة المادية، وعلى هذا الأساس أعدوا منظومتهم الخاصة للتعايش مع بعضهم البعض بما يتناسب مع ما منَّ به الله عليهم من خيرات الأرض و ما سخر لهم من بهيمة الأنعام ، فكانت هي مصدر رزقهم ومحور عملهم الذي تدور حوله تعاملاتهم المادية والاجتماعية ،وقد أيقنوا في قرارة أنفسهم باليقين القاطع بأن القناعة هي مفتاح السعادة وسر الرضا بما قسم الله – عز وجل – فتحلوا بنقاء السريرة و صفاء النفس …صدقوا القول وحفظوا الأمانة و وفوا بالعهد و أنجزوا الوعد، و بهذه الركائز الدينية و القيم الأخلاقية استنارة سيرتهم و سجلت أجمل القصص في تمام الأخلاق من مروءة ووفاء و حفظ الجميل….. سجلها المورث على صفحات الذاكرة وتناقلتها الأجيال على مر السنين ،و إن جاز التعبير فهذه المثالية لا تعني أن مجتمعهم خلٍ من الخارجين على تلك القيم مثله مثل بقية المجتمعات ،وكذلك مجالسهم لا تخلو من حكايات المرح و النوادر الجميلة التي تحدث من بعض أفراد المجتمع ، وهم يتناولونها كدعابات في حضرة اصاحبها ،و هذا لهدفين الأول للترويح عن أنفسهم من عناء العمل ومتاعب الحياة و الثاني للتخفيف من وقعها على نفس صاحبها ، ومن ثم تتحول إلى حكايات عادية لا تناسب وقاحة الهمازين واللمازين … فعندما يخيم الهدوء ،و تسكن الأصوات إلا من أصوات أذان المغرب التي تتعالى من أطراف القرية ،و بعد أداء الصلاة في المسجد يعرج الأب على سيارته و يستخرج بطاريتها ليشغل بها تلفازه الصغير. يدخل المنزل وقد جهزت الأم المكان لساعة العرض …جلست العائلة أمام الشاشة الصغيرة في صمت يتابعون أحداث المسلسل البدوي بحماس حتى نهاية الحلقة ،وقد تمتد السهرة ساعة أخرى حتى نفاذ طاقة البطارية، و هكذا تبيت تلك النفوس مطمئنة تنعم بالراحة و الاسترخاء في تلك القرية الوادعة ،وفي صباح اليوم التالي يتأهب الجميع للمشاركة في دفع سيارتهم ليدور محركها، ومن ثم يقفز الجميع في حوضها للذهاب إلى المدرسة التي تبعد عدة كيلومترات عن القرية ،وعلى هذا الحال تسير حياتهم اليومية بلا منغصات.
في ذات يوم جاء إلى القرية أحد أبناءها الموسرين يدعو أهل القرية لحضور زفاف أبنه في المدينة القريبة التي يسكنها، فأجاب الجميع الدعوة، و كانت دعوة جفلا حضرها الكثير من أهل المدينة وأهالي القرى المجاورة ، و قد ذُهل المدعوون مما رأوا من تجهيزات.. باحة واسعة وخيام مصفوفة مضاءة بالكهرباء وفرقة تقرع الطبول وأخرى تضرب الدفوف والناس يرددون الأهازيج في فرح وحبور ؛ ولكن الملفت للنظر رجلا يحمل جهازا على كتفه عليه مصباح ويجر خلفه كابل رفيع وهو يدور حول الضيوف والحضور تارة ويثبته على قوائم ثلاث تارة أخرى وسط الباحة ، تعجب الأب من هذا الشيء وأكثر السؤال عن هذا الجهاز حتى أجابه أحد العارفين وبين له أنها كمرة تصور حفل الزواج بالصوت والصورة على شريط كاسيت كبير يعاد عرضه على جهاز التلفاز بواسطة جهاز ( فيديو )… طرح الأب اسئلة كثيرة واستفسارات عديدة عن هذا الجهاز العجيب وأين يباع ؟
عاد إلى القرية وقد خامرته فكرة شراء جهاز فيديو بأي طريقة ليكون حديث القرية و أول من يدخل هذه التقنية لها كما يمكنه هذا الجهاز من مشاهدة كل ما يريد من مسلسلات ،وأصبح يتردد على سوق الحراج للأدوات المستعملة عسى أن يحالفه الحظ ويظفر بجهاز رخيص ، وقد حصل المراد في عشية السعد شاهد أحد الوافدين يعرض مجموعة من الأجهزة والأثاث المنزلي للبيع دار حول تلك الأجهزة مع من دار من أصحاب محلات الأدوات المستعملة و قناصي الفرص و المتسوقين أمثاله. دقق النظر في كل قطعة منها و هو يسأل عن أسماء تلك الأجهزة حتى وقع على المطلوب إنه جهاز الفيديو الذي شغل باله وعزم على اقتنائه .. وما هي إلا لحظات حتى صاح رجل وافتتح المزاد وبدأ الجميع في المزايدة ولم يتوقف المحرج عن الصراخ ، و الأب ينتظر نهاية المزاد على أحر من الجمر وهو يتساءل يا ترى من يفوز بهذا المزاد من هؤلاء الرجال؟ انتهى المزاد ونقل كل شيء إلى محل المشتري ، دخل الأب المحل ووقف يتفحص المكان مبديًا عدم اهتمامه بتلك البضاعة المعروضة ، ثم بدأ يسأل عن أسعار بعض القطع حتى وصل لهدفه ، وكان جواب البائع عن سعر الفيديو صادمًا .. أسرها في نفسه وبدأ يفاصل البائع حتى وصل معه لسعر معقول . اخرج من جيبه مبلغ من المال كعربون و هو يقول :اكمل لك بقية الثمن غدا إن شاء الله …عاد في الغد وقد أحضر معه تلفازه الصغير وقايضه مع ما استطاع جمعه من نقود ،وحمل جهاز الفيديو وانصرف .. يكاد يطير من الفرح ،وهو لا يدري بأنه دخل في متاهة التقنية… وبعد ليلتين أو ثلاث بدأ الأولاد يطالبون بعودة جهازهم المسلي ،و أبدوا اعتراضهم على الجهاز الصامت في زاوية المجلس ..في صباح اليوم التالي أخذ الأب بعض خرافه إلى السوق وعاد بتلفاز أكبر حجما وأحدث نظاما ووضعه في زاوية الصمت مع جهاز الفيديو. الجهازان يعملان بالتيار الكهربائي والقرية لم يصلها التيار الكهربائي بعد …أكثرت العائلة من لوم الأب على هذا التصرف الغير محسوب ،وبعد تفكير قرر شراء مولد كهرباء صغير ليبعث الحياة في دوائر تلك الأجهزة الصامتة التي أصبحت عبئا ثقيلا على نفسه… لم يجد وسيلة لحل تلك المشكلة سوى الاقتراض من أحد أصدقائه ليشتري المولد ، و بالفعل اشترى المولد و ما يلزم لتشغيله … و انفتحت أبواب المصاريف،و لم يجد لها حلا سوى بيع سيارته المتهالكة لتسديد بعض الدَين …اختفت روح المرح وعمت الفوضى حجرات المنزل وتغيرت ساعة أهله البيولوجية ،أطفأت تلك المتغيرات ابتسامة الأب و غيبته عن منزله الذي يجد فيه الدفء والسعادة ، وابتعد عن مزرعة التي كانت توفر له احتياجاته…خرج للبحث عن عمل في المدينة المجاورة التي أخرجته أضواءها وشاشاتها و تعدد خدماتها من قريته الهادئة … خرج يريد عملا بأجرً معقول يساعده في سداد دينه ويعيل عائلته الحديثة .

 

 

كتبه: حسن عبّود معدّي

كانت هذه تفاصيل خبر مقايضة الندم لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على الخليج وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

Advertisements

قد تقرأ أيضا

"