اخبار العالم

المائدة | من مجموعة "الموت في حيفا"

  • 1/2
  • 2/2

Advertisements

القدس - بواسطة محمد عز العرب -  

"الموت في حيفا"، مجموعة قصصيّة للكاتب الفلسطينيّ، ابن مدينة حيفا، مجد كيّال، صادرة مؤخّرًا عن "الدار الأهليّة للنشر والتوزيع". تقع المجموعة في 176 صفحة من القطع المتوسّط، وقد صمّم غلافها الفنّان زهير أبو شايب.

جاء في تعريف المجموعة: "مجموعة قصصيّة عن أشكال كثيرة ومختلفة من الموت؛ من الموت الإجراميّ العنيف إلى الموت المملّ الساذج، من الموت حبًّا إلى الموت غربةً. تختلف القصص في أنواعها وأساليبها، فتلاعب الواقعيّة والمسرح والخيال العلميّ والرسائل، الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعيّ. وعلى الرغم من تنوّع القصص واختلافها، إلّا أنّها تتكامل ويتّصل بعضها ببعض من خلال رواية المدينة الساكنة فيها: حيفا".

 

ننشر في فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة قصّة من المجموعة، بعنوان "المائدة"، بإذن من مؤلّفها.

 

*****

 

كان محمّد في شقّته يعدّ طعامًا شهيًا: يقطّع الفلفل الحرّ، ثمّ البصل، ثمّ الجزر، ثمّ البرتقال، ثمّ يقشّر الكستناء ويطحن الثوم بالجرن صغير. ثمّ أمسك بيديه العاريتين قطعة لحم كبيرة من رقبة العجل وفرشها برفقٍ داخل وعاء من الفخّار، ثمّ غطّاها بقطع الخضار والفاكهة. ثمّ نظر إلى قطعة اللحم كأنّه يودّعها، لم يشعر بالحزن، لكنّه شعر بأنّه يودّعها. ثمّ سكب فيها قنينة نبيذ كاملة، فأخذت قطع الثوم المطحونة والكستناء الصغيرة، وحتّى البرتقال والجزر تطوف على وجه النبيذ حول قطعة اللحم. مسح أصابعه المبتلّة بفخذيه العاريين، وذهب وشغّل سخّان الماء.

فتح محمّد الخزانة، وحدّق في جارورها طويلًا مدقّقًا بكلّ ما فيه. ثمّ أخرج الجارور كلّه، وأخذ منه الفلفل الأسود ورشّ منه في النبيذ كثيرًا، ثمّ أخذ الكمّون ورشّ منه بوفرة، ثمّ جوز الطيب قليلًا، ثمّ أضاف الكثير من السمّاق الّذي يحبّه.

في هذا النوع من الأفران ذات التقنيات الحديثة، غالبًا ما تكون ساعة تشير للوقت، وقد أشارت إلى الرابعة فجرًا حين نظر محمّد إلى قطعة اللحم طويلًا، ثمّ حمل غطاء الوعاء وأطبقه. فتح محمّد باب الفرن، وقرفص أمامه وحدّق في داخله طويلًا. ثمّ بكلتي يديه، قدّم الوعاء كأنّه يقدّم قربانًا، نظر مجدّدًا داخل الفرن، ثمّ أغلقه. وعندما أغلقه، ظلّ مقرفصًا، يده تقبض بشدّة على يد الفرن، وأغمض عينيه طويلًا.

كان يفكّر في ما سيفعله خلال وقت الانتظار الطويل الطويل الطويل. في البدء، استمع إلى أغنية "أمل حياتي" لأمّ كلثوم وهو يجلس على أريكته الخالدة ذات الراحة الأبديّة. كبا في نوم خفيف إلى أن انتهت الأغنية وانقطع الصوت، فاستيقظ وكان يشعر بالبرد، فلبس بوكسرًا أبيض، وفتح الفرن وأخرج منه وعاء الفخّار وزاد عليه النبيذ والسمّاق مرّة أخرى. ثمّ فتح جرحًا في عنق العِجل الساخن، وغرس فيه أصبعين، ثمّ أعاد الوعاء إلى الفرن ومسح أصابعه الملطّخة بالنبيذ بالبوكسر الأبيض.

جلس أمام التلفاز، وشغّل للمرّة المليون فيلمه المفضّل- الجزء الثاني من "كِل بِل" - وشاهده بلهفةٍ شديدة قرابة الساعتين، ثمّ شاهد موجز الأخبار الصباحيّ. ثمّ، كالعادة، شغّل الفيلم الوثائقيّ عن وحيد القرن الأفريقيّ، وعندما انتهى منه سخّن وعاءً فوق غاز الطبخ، وذهب إلى الفرن مرّة أخرى وتفحّصه.

ثمّ شغّل أغنية أمريكيّة لليدبيلي تقول كلماتها:

Advertisements

 ."My girl, my girl don’t lie to me, tell me where did you sleep last night"

رفع صوت الأغنية الّتي جعلها تعيد مرّة تلو الأخرى، وبدأ يرمي حبّات البطاطا بوعاء الماء المُملّح المغليّ. كلّما رمى حبّة في الماء تقافزت قطرات الماء المغليّ وحرقت صدره العاري ثمّ نزلت بحرارتها نحو بطنه وتوقّفت عند حافّة عانته. لم تكن اللسعات القليلة كافية. كان يشعر بحاجة للمزيد. دخل يستحمّ.

عندما نزع البوكسر أمام المرآة، نظر محمّد إلى نفسه وشعر بفرح لرؤية مؤخّرته الصغيرة المستديرة وأسنانه البيضاء. تفقّد لحيته وهو يفكّر في نفسه بأن أيّ امرأةٍ عاقلة التقى بها خلال حياته، لا بدّ أن تكون قد فكّرت فيه برغبة وشهوة. فتح الماء ومكث تحته طويلًا، ودبّت فيه رغبة جامحة وهو يغسل جسمه بالصابون، فأخذ يلمس عضوه الجنسيّ ويستمنيه. بحياته، لم يفكّر محمّد في امرأة واحدة أثناء الاستمناء، بل كان دائمًا يتخيّل عشرات النساء اللواتي نام معهنّ. كان يغمض عينيه وصورهنّ تلتمع في ذهنه مثل وميض سريع ومتبدّل الألوان، واحدة تلو الأخرى، بأماكن ووضعيّات مختلفة: تلك تنام على بطنها وتُبرز مؤخّرتها المدوّرة بحركة أولمبيّة، وتلك الّتي كانت تعضّ عنقه أثناء الأورجازم ثمّ تحكي له بصوتها المبحوح قصّة دراكولا، فتُشعل فيه الرغبة من جديد. وتلك الّتي كان ينام معها في مكتبها في الطابق السابع عشر من عمارة الصاروخ. وتلك الّتي كان نظرها شبه معدوم وكان ينزع نظّاراتها كلّما اقتربت من النشوة فيؤخّرها قليلًا. وتلك الّتي كانت شفاهها سميكة وطيّبة وحلوة مثل سكاكر الجلاتين. وتلك الّتي كانت تداعب قضيبه بمحبسها. فكّر بشابّة تعيش في كرميئيل. وواحدة نام معها في أيّار، ثمّ في نهاية العام اشتعلت شجرة عيد الميلاد في بيتها فماتت في حريق. وتلك الّتي أرادت، دائمًا، أن يناديها باسم أختها. وسائحة فنلنديّة التقاها في متحف الهجرة والبحريّة.

وحين قذف ما فيه تحت الماء الساخن ليعلق السائل المنويّ بفقاعات الصابون البيضاء. عندها... تذكّر ريما... واعترف لنفسه، بنفسه، بأنّها كانت المرأة الوحيدة الّتي نجحت فعلًا في أن تنتقم منه. وأنّ شيئًا في حياته، كلّها، لن يلئم جرح هذه الطعنة. أوقف الماء مكسورًا، وتنشّف حزينًا.

خرج. أوقف الأغنية وشغّل الصمت. أزال البطاطا من الماء، غسلها وبدأ يهرسها بوعاء زجاجيّ، وأضاف الزبدة الباردة والحليب الّذي سخّنه بالمايكرويف. كان محمّد يشعر بانتصار ما، خبيث وجبّار وعنجهيّ، كلّما سخّن الحليب بالمايكرويف. ثمّ أضاف القليل القليل من الفلفل الأسود وبعض الملح، وخطر له أن يزيد ملعقة من خردل ديجون، ففعل دون تردّد.

ولمّا كانت البطاطا جاهزة، وضعها على الطاولة. ثمّ فتح الفرن وأخرج وعاء الفخّار: كانت الساعة الثامنة صباحًا، وكانت رائحة اللحم تفوح في الشقّة كأنّها رائحة مغارة عتيقة تحترق فيها صناديق تفّاح وكونياك جيّد، رائحة تشبه لون الرمّان المائل للاسوداد، تشبه رائحة فرامل الشاحنة على شارع مفروش بالمربّى، كانت رائحة قويّة ومتكبّرة وسمينة، وبوسعها أن ترفع صخرة عن أرضها، كانت رائحة تشبه الجمر المنطفئ في الصباح، وكسوف الشمس. رائحة تشبه الفقع المشويّ المغمّس في صلصة زبد الفم والسكّر، يُقَطَّع بسكّين يابانيّ حادّ.

ثمّ بدأ يقطّع اللحم بشهيّة. وسكب كأسًا مليئًا من ويسكي تاليسكير. بلا ثلج. أكل كثيرًا، وكانت الأطعمة في فمه تتلوّى وتقفز وتهاجم بعضها، وشعر بحاجة بين الفينة والأخرى ليفغر فمه ويُدخل إليه بعض الهواء. لكنّ رغبته الجامحة في داخله جعلته يسرع في شرب جرعة كبيرة جديدة من التاليسكير، ويزيد فوقها لقمة كبيرة من البطاطا المهروسة. كان يشعر بسعادة عظيمة، وحين أجهز على قطعة اللحم كلّها، وعلى كأسين بعد الأوّل، ترك الطاولة كما هي، غسل يديه، وقام ليرتدي ثيابه دون أن يعير اختيارها اهتمامًا. لبس قميصًا أبيض دون أن يكويه، وبنطلون جينس كحليّ. أحسّ محمّد بالشبع ففتح النوافذ ودخلت شمس النهار قويّة لامعة حارّة، ووقف يراقب شرفة الجيران الفارغة، وينظر عبر الزجاج إلى صورهم العائليّة المعلّقة بعيدًا، غير واضحة. نظر إلى المائدة للمرّة الأخيرة. غمّس أصبعيه، السبّابة والأوسط، بالسائل النبيذيّ، ثمّ أخرجهما ومدّهما إلى الأمام على شكل مسدّس. وعندما امتدّا إلى الأمام سقطت عليهما أشعّة الشمس، وقطَرَ النبيذ الملقّم بالسمّاق من تحت أظافره. وبصهيل النشوة المكتوم، مصّ أصبعيه.

ثمّ خرج من الشقّة وأوصد الباب من خلفه، ونزل إلى الشارع ماشيًا ببطئ وخفّة، لحضور جنازة والده.

 

 

مجد كيّال

 

 

صحافيّ وكاتب. وُلد في حيفا عام 1990 لعائلة مهجّرة من قرية البروة. صدرت له رواية "مأساة السيّد مطر" ومجموعة قصصيّة بعنوان "الموت في حيفا"، وكلاهما عن الدار الأهليّة، بالإضافة إلى دراسة "كيف يتغيّر النظام الصهيونيّ؟" عن مركز "مسارات".

 

 

Advertisements

كانت هذه تفاصيل خبر المائدة | من مجموعة "الموت في حيفا" لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على عرب 48 وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

Advertisements

قد تقرأ أيضا